بيتٌ تكثر فيه المفاجآت

البيت كالصندوق الذي يعني في اللغة وعاءً من خشبٍ أَو معدن، أو ورق مُقَوى ونحوهما، مختلف الأَحجام، ((تُحفَظُ فيه الأشياء))، نوع كل بيت يتحدَّد على عِظَم قدر الدين والآداب والأخلاق فيه، وكل إنسان يُعبِّر عن ملامح صندوقه في تعابير وجهه وسمات خلقه، وصندوقنا اليوم الذي نتحدث عنه صندوق مليء بالمفاجآت، أحجاره من معدن، فقد وضع الأبُ أساس أحجاره على دعائم الدين، ورصَّت الأمُّ لَبناتِه بالأخلاق التي رسَت على دعائم الأب التي بناها قبلُ.

خطَّا قوانينَه سويًّا، فسارت أمور البيت بلا اعوجاج، فضلٌ من الله ونعمة أنعَمها به على أناس دعوا الله مخلصين أن يرزُقهم بيتًا صالِحًا وذُريَّة صالحةً، فرُزِقوا أبناءً أحسَنوا اختيار أسمائهم، وكذلك تربيتهم، فكانوا نشئًا صالحًا يُضرَب به المثلُ!

مرَّت على هذا الصندوق منعطفات كثيرة، ولكن ستَر الله ونعيمه غطَّى أركان البيت، فلم تزَل دعائمُه صامدة رغم الفتن الدائرة.

ليست قصة بيت بعينه بقدرِ ما هو قصة بيت يتكرَّر، فما إن تكرَّرتْ صفاتُه، وجدتُ صفة هذا البيت نادرةً في مجتمعي، بل في إقليمي الذي أحيا فيه، تُرى كيف نجعل من هذا النموذج أنموذجًا؟!

كلما ضاقتْ عليك الحياةُ تمسَّك بحبل الله ولا تُفلته مهما علَت الأمواج.

كل يوم تأتيك الشمس تُبشِّرك بفجر جديد، فاحتسِب يومك عند الله، ولا تتركه هكذا يمر هباءً منثورًا.

كونكِ أمًّا يعني الكثير لك ولبيتك، ضيافتُك للناس عنوانُك، حبُّ العطاء لا يُشترى، عاداتك الصغيرة في بيتك هي ما تصنَع الذكريات، وهي ما تجعل للبيت روتينًا حُرًّا يسير عليه الآباء والأبناء، اهتمامك بإفطارهم وواجباتهم يَظهَر على ملامح وجوههم، يُعطيهم السكينة، ويعطيهم شعورَ الثقة بأنفسهم وقوة الإبداع وثِقَل المنطق.

والأب بدوره يحافظ على تماسُك أسرته، ويُصلح ما تُفسده رياحُ التغيير القادمة من الخارج، فلا يَنهر ولا يعاتب دومًا، بل يَحتضن ويُصاحب، وأحيانًا يجب أن يكون أرفقَ وألينَ من الأم.

فتبادلُ الأدوار بين الشِّدة واللين يساعد على تقْوِية الروابط في الجانبين، وليس من جانب واحدٍ.

ولا تنسَ أن تكون عونًا لأهل بيتك، فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول، وكلما كان شعورك بالرعاية والمسؤولية كبيرًا، انتقل ذلك الشعور إلى جميع مَن في البيت، حتى صار قانونًا هو الآخر، بل صار يجري في العروق مَجرى الدم.

حرصُك على أداء الصلاة في موعدها، وفي الجامع للصِّبيان من أهم دعائم التربية، فالتزامُ أداء فروض الله هي أشد الالتزام، لا تَهاوُنَ فيها أبدًا، فمثلًا إذا جمعتْك بأبنائك لُعبةٌ من ألعاب الفيديو الشيقة المفيدة، واحتدَمت بينكم المنافسةُ، وأُقيمت الصلاة، فلا تتردَّد أبدًا في ترك اللعب والقيام لأداء الصلاة، مع قولك: لا يُبارك الله في عملٍ يُلهي عن الصلاة، وكذلك أنتِ بصفتكِ أُمًّا إذا كنتِ في المطبخ، فطبِّقي الشيءَ نفسه.

ومن الأشياء التي تُشعر أفراد الأسرة بالمسؤولية، ويجب على الجميع الاشتراكُ فيها – إطعامُ الطعام والإيثار والدعاء للمسلمين، والمباركة لهم عند رؤية ما يَسُرُّ، وإلقاء السلام والشكر، وقول: جزاك الله خيرًا، هذه الأشياء التي نَستشعرها يسيرةً، هي التي تَصنَع القادة وتأتي بالمعجزات في التربية.

وأكثر الأشياء التي نتحدث عنها تبدأ من البيت أولًا، فإن اعتادها الأولاد فلن يَتركوها…

احترامك لولدك من احترامك لنفسك، فلا تَنهره ولا تُهينه – لا أمام الناس ولا أمام نفسه – وتذكَّر حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها: ((إذا أرادَ اللهُ بأهلِ بيْتٍ خيرًا، أدخلَ عليهم الرِّفْقَ)).

إذا أردت أن يستأذنَ في الدخول عليك، فاسْتَئْذِن عليه إن أردتَ الدخول عنده في غُرفته مثلًا، وإن أردتَ أن يُحادثك بأدبٍ، فافعَل أنت الشيء نفسه، وقل له: إذا سمحتَ، من فضلك، شكرًا لك، أُحبك، والأكثر من هذا إذا أردتَ تعويده على تقبيل يدك منذ الصغر، فقبِّل أنت يده عندما تراه في صِغره، وقتما يَنضج قليلًا وتقول له أُمُّه: قبِّل يد والدك، فلن يَستشعرها غريبةً، وخاصة إذا كان يرى الكبار يُقبِّلون يد الجد والجدة.

واعلَم أن لكل إنسان مركزًا يحوم حوله، منَّا مَن مركزه يكون عملَه، ومنَّا مَن يكون سفرَه، ومنَّا من يكون ضحكَه، ووقتَ فراغه، وكل هذا يذهب هباءً، ويملُّ الإنسان منه سريعًا، أما نحن بوصفنا مسلمين، فمركزنا هو الله، نفعل كل شيء إرضاءً له وتصديقًا لوحدانيَّته.

اشغلهم دائمًا بما ينفَعهم، وإلا شُغِلوا بما يضرهم من كثرة الفتن المحيطة بنا.

أبعِد عنهم الهواتف الذكية، وإن كان فمن خلال قيود وضوابطَ، وضعْ مكانها أنشطة مختلفة كالرياضة والمساعدة في العمل للأولاد، والأعمال المنزلية والأشغال للبنات.

ولا تظنَّ أن الأبناء يَكبرون بين يوم وليلة، إنما هي مراحل طويلة، وتعبٍ ونَصَبٍ، لكنك مأجورٌ على التربية وحُسن التنشئة، ومن أهم دعائم التربية:

القدوة فأنت القدوة الأُولى لأبنائك، يمشون على خُطاك ويتَّبعون أثر قدمِك، فانْتَبه لتصرُّفاتك جيدًا، واختَر لهم قدوة حسنةً من الصالحين تُحبِّبهم فيها، ويمشون على خطاها؛ كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (مَن كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتْنَةُ).

كن يقظًا على صُحبة أبنائك واختَر لهم الصحبة الصالحة، وكن أنت الصاحب الأولَ لهم، وأكثِر من الدعاء بصلاحهم وبرِّهم وتوفيقهم، واجعَل الدعاء رفيقَهم في دَرْبِهم، ساعِدهم على برِّ آبائهم وصِلة أرحامهم، ولا تَبُثَّ فيهم خلافات الأقارب إن وُجِدَتْ، واتْرُك قلبَهم سليمًا نقيًّا.

اتَّقِ الله حيثما كنتَ، فالتقوى تنفع الذريَّة؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، ومعنى: ﴿ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾؛ أي: تركوا المحرَّمات، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾؛ أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء الله يَحفَظهم ويَكْلَؤُهم، ويَنصُرهم ويؤيِّدهم، ويُظْفِرُهم على أعدائهم ومُخالفيهم.

دُمتُم لله طائعين.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/128651/#ixzz6lWstZ149

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: