عصا العمة سلمى…

في الوقت الذي ترتب فيه أحلامك يرتب لك القدر شيء آخر، فهناك ما هو مقدر لك في طيات كتاب لا يعلمه إلا الله، ودورك أن تتعايش مع ما قدره الله لك ولا تضجر أبدًا فيما خُط لك أن يكون.

تأتیك الأقدار فلا تفكر كثيرا فیما أصابك كیف أصابك، لقد أصابك فقط.

“وكل شيء عنده بمقدار” فلا يجاوز شيء من قدره عن تقديره، ولا يقصر أمر أراده فدبره عن تدبيره.

لما أصيبت عين العمة سلمى الأولى من حادث أليم قد وقع لها لم تكن تعلم ولا تتوقع ولا حتي يخطر ببالها أن عينها الأخرى قد كُتب لها مصابًا آخر علي بعد سنوات قليلة فتصبح العمة سلمىٰ كفيفة، ولكني وجدتها صابرة حامدة شاكرة ربها علي مصابها ونعمتها وعلى معينتها وذراعها اليمنى زوجة ابنها، ومع كل ما فيها لم تفارقها الابتسامة والبشاشة وحسن الضيافة والكرم.

وقد كانت ماهرة في عملها حتى وبعد أن فقدت بصرها نور عينها إلا أنها ما زالت تعمل حتي آخر أيامها، فقد كانت تتاجر وتعمل في مجال تربية الطيور من بيتها، وقد رأيتها بأم عيني تبيع البطات الصغيرة وتعرف كل واحدة فيها وتزنها بيدها، وتعرف أعدادها وأوصافها وأوزانها، وقد أهدتني منهم واحدة، وحتي لا تختلف مع البقية التي اشترتهم منها جدتي، فقد قامت وجلبت مِقصًا وفصلت جزءا من قدم البطة حتي أعرف خاصتي من بين أخواتها، وقد أخبرت جدتي أنها لا تنتظر أحدًا كي ينظف لها الدار فهي من تكنسها ومن تمسحها وهي من تضع الطعام للطيور وكذلك الماء، كل هذا بنفسها وتساعدها عصا مسكينة علي تحسس الأشياء البعيدة عنها، وذهبنا بعد أن ضيفتنا الشاى وقامت وودعتنا بنفسها وانصرفنا، رحم الله العمة سلمى ورحم موتانا وصبرنا علي مبتلانا.

ليست فقط العمة سلمى بل الكثير والكثير الذين فقدوا أشياء غالية حرقت بقدر غلاوتها نفوسهم، وأزهقت دنياهم في عيونهم، وتمنوا لو لحقوا بمن فقدوهم عاجلاً، غير آبهين بدنيا زائلة، رأوْا نعيمها الزائل وجوهرها الفاني عند فقدان ذويهم، أو مفارقتهم قسرًا، أو بعدهم عن أراضيهم ظلمًا وعدوانًا.

ستتفاجيء كثيرًا من نفسك وأنت تراها قادرة على حمل الكثير، الذي لم يخطر على بالك يومًا أن هذا قدرك الذي قد كتب لك، تظل تفكر وتراجع حساباتك وتبحث عن الخلل حتي تجد خلاصًا أو تبريرًا لما وقعت فيه، ولكنك تدرك في النهاية أنه قدرك وما عليك إلا التسليم لله.

ويحضرني آخر فصل في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب تكلم فيه علي عزت بيجوفيتش عن التسليم لله وقد سماه نظرة أخيرة، وكيف أن الإنسان لم يختر شيئًا في حياته، لا زمنه ولا أبيه ولا أمه ولا اسمه ولا شكله ولا قدره، فكيف هي محدودة اختيارتنا، وكيف هي مقيدة حريتنا، فما علينا إلا التسليم لله في هذه المساحة الصغيرة جدًا التي نسميها إرادتنا.

الحمد لله الذي جعلنا مسلمين

دمتم بقلب راضٍ ونفسٍ مطمئنة

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: