الإفلات من العقاب

منذ أن استيقظ حيّان باكرًا والعبوس لم يفارق وجهه فهو يعرف جيدًا ماذا قد ارتكب بالأمس من أخطاء وقد حان وقت تنفيذ العقاب من قبل أمه التي تضايقت منه كثيرًا بالأمس لعدم إنجاز فروضه.

هو بالعادة ولد مطيع ويستمع لكلام أمه جيدًا ولكنه أحيانًا يتقلد من بعض رفقات السوء الذين لا يسمعون كلام والديهم، بالطبع هو لا يصادقهم ولكنه يعرف أخبارهم من رفقاته الذين لا يملوا من الحديث عَن أولاد المدينة.

فقد ألزمته أمه بتلميع جميع أخشاب البيت وهو عمل يعتبره ممل للغاية، نظرًا لكثرة الأثاث الخشبي في المنزل كما أن الأثاث ليس بأملس ولكن النقوش المحفورة عليه دقيقة جدًا وتأخذ وقتًا طويلاً.

بالإضافة إلي أنه قد واعد أصدقائه بأن يأتوا في هذا اليوم ليتسامروا معًا.

يا له من مأزق، ماذا لو أتوا ورأوني علي هذه الحالة؟
ماذا أفعل؟ سأكون حديث المدينة. هكذا قال حيان محدثًا نفسه.

حيّان. يا حيان. (تنادي أمه)
رد حيان قائلاً: نعم يا أمي. ثم قال بصوت خافض آه حان وقت العقاب.

يا حيان خذ هذا الملمع، وقطعة القماش هذه وخذ واحدة أخري أيضًا، واذهب وأدي عملك.

حاضر يا أمي أمرك.
ثم همس قائلاً: يجب علي أن أنفذ حتي لا أعاقب من جديد.

أخذ حيّان معدات التنظيف وذهب لغرفة الجلوس ليبدأ بها عمله فهي أكثر غرفة مليئة بالعمل.

قال مبتدئًا عمله : بِسْم الله.

ثم قال: يا رب أعني علي الخروج من هذا المأزق. ماذا أفعل لو أتوا ورأوني هكذا؟ أتمني ألا يأتوا.

وبدأ بالتلميع، جاءت والدته وقالت له : أحسن عملك يا حيّان فالله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، كما أنني لن أقبل بعمل غير متقن.

ولا تجعلني أتضايق منك أكثر من ذلك.
فجأة دق جرس الباب، قامت والدته لتري من بالباب، وقد تغير لون حيّان وتمني ألا يكونوا أصدقائه.

وحدث ما كان يخاف منه؛ لقد أتوا.

سألوا والدته: أين حيّان يا خالة؟

قالت: في غرفة الجلوس؛ تفضلوا.

عندما دخل أصدقائه تظاهر حيّان وكأنه لا يدري، منهمك جدًا في عمله ولا يبالي بالأصوات خلفه.

نادوا عليه مرارًا وتظاهر هو كأنه لم يسمع، تسامر الأصدقاء عليه قليلًا وسخروا منه ولكنه لم يصدر صوتًا، منهمكٌ جدًا في عمله، ولا يدري بمن حوله.

فجأة! استدار وتظاهر بالمفاجأة وقال: أصدقائي! منذ متي وأنتم هنا؟ لم أدر بكم مطلقًا فقد كنت مشغولاً في عملي.

قالوا له: هل هذا عقاب!
قال ساخرا: عقااااب! بالطبع لا؛ هذا عملٌ لا ينجزه إلا المحترفون … الدقيقون جدًا.

وأنا أصلح لهذه المهمة لا أدري إن كانت لديكم القدرة علي إنجازها أم لا ، فهي للدقيقون فقط.

وعاد لعمله منسجمًا جدا وكأنه يفعل شيئًا يحبه وينتظره منذ زمن طويل، يلمع ثم يتوقف ليري دقة عمله، ويمدح عمله قائلاً: ممم جميل، وهكذا.

قال أحد الأصدقاء: دعني أجرب يا حيّان.

قال: لا لا؛ لا تستطيع كما قلت لك هذا العمل لا يقدر أي شخص علي تنفيذه، كما أن هذا الملمع سائل عجيب لا يستخدمه إلا المحترفون.

قال له صديقه: دعني أجرب من فضلك.

لوّح حيان برأسه بعدم الموافقة.

 قال له صديقه: لما لا تدعني، فقط دعني أجرب حظي.
أرجوك.

قال: حسنًا، ولكن كن حذرا.

ثم قال له صديق آخر: وأنا أيضا من فضلك يا حيّان دعني أجرب واستخدم هذا المُلمّع العجيب.

وآخر وآخر، وعلي مضض (متظاهرًا طبعًا) وافق حيّان وقسم بينهم العمل وجلس هو علي الأريكة يرتاح وهو في قمة السعادة حتي انتهي العمل .

قال لهم: يا أصدقائي لقد أثبتم أنكم دقيقون للغاية، وأنجزتم العمل بمهارة وإتقان، وسأكفائكم ببعض الكعك اللذيذ، كم أنتم ماهرون، أنا لست نادمًا أبدًا علي تكليفكم بهذه المهمة .

وظل يخطب فيهم وكأنه قادوا حربًا وانتصروا فيها .

كل هذا الموقف راقبته أمه.
في البداية .. ضحكت من ذكاء ولدها، ولكنها غضبت منه لأنه تحايل علي العقاب الذي ألزمته به، وكذب على أصدقائه ولكنها قررت ألا تُحرجه في وسط أصدقائه حتي لا تجرح مشاعره.

وبعد انصرافهم، نادت عليه وأخبرته عن علمها بحيلته وأنها سوف تحكي لوالده عندما يأتي كل ما حدث.

تضايق حيان وقال: آه لم ننتهي بعد؛ سأعاقب من جديد.

عندما عاد الأب من العمل سردت له أم حيان ما حدث.

قال لها: حسنًا اتركي لي الأمر ولا تقلقي.

وبعد صلاة العشاء نادي الأب علي أبنائه كعادته، أتوا جميعًا وعلي رأسهم أكبرهم ولده حيّان وقد امتلأ وجهه خجلاً من والده، واصطفوا في حلقة حول الأب وانضمت إليهم والدتهم فيما بعد.
جلسوا في هدوء وقد أغلقت أنوار البيت القوية، وفتحت النوافذ وأشعلت الإضاءة الخافتة وقد كان الجو مريح للغاية .

قال الأب: والآن كما تعودنا يا أبنائي سأقص عليكم قصة جديدة نتعلم منها شيئًا يعيننا على طاعة الله عز وجل.

نحن اليوم على موعد مع قصة الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة.

كان الأنصار يعاملونه على حداثة سنه كزعيم…

وكانوا يقولون:“ لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا”.
ذلك أنه كان أجرد، ولم يكن ينقصه من صفات الزعامة في عرف قومه سوى اللحية التي كان الرجال يتوّجون بها وجوههم.

هو من أجود بيوت العرب وأعرقها.. البيت الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام:
“إن الجود شيمة أهل هذا البيت”.
وإنه الداهية الذي يتفجر حيلة، ومهارة، وذكاء، والذي قال عن نفسه وهو صادق:
“ لولا الإسلام، لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب”..!!

ذلك أنه حادّ الذكاء، واسع الحيلة، متوقّد الذهن.
إن هذا الأنصاري الخزرجي من بيت زعامة عظيم، ورث المكارم كابرًا عن كابر.. فهو ابن سعد بن عبادة، زعيم الخزرج…

وحين كان قيس قبل الاسلام يعامل الناس بذكائه كانوا لا يحتملون منه ومضة ذهن، ولم يكن في المدينة وما حولها إلا من يحسب لدهائه ألف حساب.. فلما أسلم، علّمه الإسلام أن يعامل الناس بإخلاصه، لا بدهائه، ولقد كان ابنًا بارّا للإسلام، ومن ثمّ نحّى دهاءه جانبًا، ولم يعد ينسج به مناوراته القاضية.. وصار كلما واجه موقفًا صعبًا، يأخذه الحنين إلى دهائه المُقيّد، فيقول عبارته المأثورة:

“ لولا الإسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب”…!!
وفي معارك صفّين، والجمل، ونهروان، كان قيس أحد أبطالها المستبسلين، وكان يحمل لواء الأنصار.
ولقد ولاه الإمام عليّ حكم مصر..

وفي المدينة المنوّرة، عام تسع وخمسين، مات الداهية الذي روّض الإسلام دهاءه..

مات الرجل الذي كان يقول:

لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

“ المكر والخديعة في النار، لكنت من أمكر هذه الأمة”..

مات تاركا وراءه عبير رجل أمين على كل ما للإسلام عنده من ذمّة، وعهد وميثاق…

وعندما أنهى الأب سرد القصة نظر لحيّان وقد فهم حيّان نظرة أبيه وقد أخذ حيّان عهد على نفسه ألا يستخدم ذكائه في مكر أو خديعة، وألا يتحايل على كلام أمه مجددًا.

⭐️والآن يا أصدقائي وقد انتهت القصة يجب علينا نحن أيضًا أن نتعلم أن المكر والخديعة ليست من صفات الفتى المسلم بل يجب عليه أن يستخدم ذكائه في شيء مفيد ولا تنسوا أيضًا إتقان العمل لأنه من أخلاق الإسلام وهو عملٌ يحبه الله ورسوله.

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: