كن رفيقًا

كيف تكون لينًا؟ وكيف نربي أطفالنا على الرفق بأنفسهم وأخلاقهم؟

أحيانًا نتعامل بتكلُّف شديد يُضفي على المشاعر ثِقَلًا لا تكاد تحمِله الأكتاف، وأحيانًا كثيرة لا يرى الإنسان نفسه عندما يكون غليظًا فَظًّا في كلامه وتصرُّفاته، لذا يجب أن تكون لديك مرآة تُريك ذلك الوجه الذي لا تراه أنت إلا نادرًا، وخاصة إذا كنتَ غاضبًا.

وهذه المرآة يمكنها أن تكون أنت إذا كنتَ منصفًا وعادلًا مع نفسك بما فيه الكفاية أو يزيد، ولا مانعَ مِن الاستعانة بمرآة أخرى توضِّح لك الصورة؛ كأمٍّ عاقلة، أو أخت منصفة، أو أب حنون، وكذلك أخ مُقنع.

وعندما تأتيك النصيحة، فلا ترفضْها، ولا تُلوِّح برأسك لأعلى ولأسفل، مشيرًا بأنك قد فهِمتَ وأنت لم تَعِ شيئًا، ولَم يتجاوز الكلام مسامعَ أُذنك.

نعاني كثيرًا من هذه الأشياء البسيطة التي نجدها دائمًا في حياتنا اليومية، تكلُّف واضح من الآخرين يُشعرك بالوَحدة.

كم أتمنى أن أكون لينًا رفيقًا، كم هو سهل النُّطق بهذه الكلمات الرقيقة!

ولكن هل انتبهتَ أن كلمة (رفيقًا) المستخدمة في العنوان، لا تعني فقط الرفق، بل الصاحب اللين في الطريق، فلن تكون رفيقًا إلا إذا كنتَ رفيقًا، يعني لن تكون صاحبًا إلا إذا كنتَ لينًا؛ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أُخبركم بمن يحرم على النار، وبمن تحرم النار عليه؟ على كل هيِّن ليِّن، قريب سهل)).

عندما كانت تمر على تلك الكلمات – أقصد (الرفق واللين) – في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أكُن أَعِيهُنَّ بالقدر الكافي، ولم أُوَفِّ هاتين الصفتين حقَّهما في الوعي والإدراك، ولكن بعد مرور الوقت والمرور ببعض التجارب الاجتماعية، يمكنني القول: إنه إذا أُتيحت لي الفرصة لتعليم نَشئًا من الصغار أدوات التعامل الحياتية، فإنني سأبدأ بهاتين الصفتين، ومن المتوقع أن أقضيَ أيامًا، بل أسابيعَ لتعليمهم هذه الصفات الرائعة.

فالإنسان أحيانًا يحتاج إلى أن يقضيَ أوقاتًا ليست بالقليلة لتعلُّم أشياءَ بسيطة، ولكنها تعتبر منهجَ حياة.

وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب كثيرة شاملة، حتى إنه لم يترك شيئًا:

((إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ))؛ (رواه مسلم)، كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبدالقيس: المنذر بن الأشج العصري سيد قومه.

واللين صورة من صور الرحمة؛ قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك ﴾ [آل عمران: 159].

والرِّفق يحافظ على تماسُك الأسرة وصفاء أجوائها، فقد أوصَى نبيُّنا الهادي السيدة عائشة رضي الله عنها، فقال: (يا عائشة، ارفُقي؛ فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيرًا، أنزل عليهم الرِّفق)).

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزِع من شيءٍ إلا شانَه))؛ صحيح الجامع.

فهل فكَّرتَ يومًا أن تغيِّر فيك سلوكًا يُزعج من حولك؟ هل كنتَ لينًا لدرجة تقبُّل النقد، وإعادة تشكيل ذاتك، أو أن النقد لا تقبله إلا إن كان صادرًا من نفسك؟

هل جرَّبت ذلك الشعور أن تقول لك أُمُّك أو أقرب مَن حولك: لم تحسنِ التصرف في هذا الموقف، أو لم تكن جيدًا في هذا، أو لم تَلِقْ بك هذه الفَعلةُ؟

وأخذتَها على محمل الجد، وفكَّرت فيها، وعاتبتَ نفسَك، بل شكرتَها على تنبيهها لك!

هذا كله لِينٌ.

يا له من شعور رائع أن تتبدَّل وتتغيَّر للأفضل، ليست مبادئك هي مَن ستتغير، بل تصرفاتك هي التي يجب أن تتطور معك ما دام الأمر لا يمس العقيدةَ، فلِمَ لا نتغيَّر ونتجدد مع تجدُّد الحياة وتغيُّر الظروف؟!

لَمَّا كان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم في مكة، كانت هناك أمور بالطبع تسير في شكل معين، وعندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فُتِحت له أفاقٌ جديدة، وتوسَّعت الدولة، فطرأ عليها الجديد، وتغيَّرت فيها أشياءُ ليست بالقليلة، فالفرق واضح في التعامل في مكة عن المدينة في الحياة الاجتماعية، وليس في العقيدة الراسخة، فما دامت العادات مِن صُنع البشر، فهي قابلة للتغيير، ولا تردُّدَ!

ولا يَنفي ذلك أن المؤمنين أشداءُ على الكفار رحماءُ بينهم، يَغضبون لله، كما أنهم يَلينون لله عز وجل.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/128908/#ixzz6lWvhYVSc

بيتٌ تكثر فيه المفاجآت

البيت كالصندوق الذي يعني في اللغة وعاءً من خشبٍ أَو معدن، أو ورق مُقَوى ونحوهما، مختلف الأَحجام، ((تُحفَظُ فيه الأشياء))، نوع كل بيت يتحدَّد على عِظَم قدر الدين والآداب والأخلاق فيه، وكل إنسان يُعبِّر عن ملامح صندوقه في تعابير وجهه وسمات خلقه، وصندوقنا اليوم الذي نتحدث عنه صندوق مليء بالمفاجآت، أحجاره من معدن، فقد وضع الأبُ أساس أحجاره على دعائم الدين، ورصَّت الأمُّ لَبناتِه بالأخلاق التي رسَت على دعائم الأب التي بناها قبلُ.

خطَّا قوانينَه سويًّا، فسارت أمور البيت بلا اعوجاج، فضلٌ من الله ونعمة أنعَمها به على أناس دعوا الله مخلصين أن يرزُقهم بيتًا صالِحًا وذُريَّة صالحةً، فرُزِقوا أبناءً أحسَنوا اختيار أسمائهم، وكذلك تربيتهم، فكانوا نشئًا صالحًا يُضرَب به المثلُ!

مرَّت على هذا الصندوق منعطفات كثيرة، ولكن ستَر الله ونعيمه غطَّى أركان البيت، فلم تزَل دعائمُه صامدة رغم الفتن الدائرة.

ليست قصة بيت بعينه بقدرِ ما هو قصة بيت يتكرَّر، فما إن تكرَّرتْ صفاتُه، وجدتُ صفة هذا البيت نادرةً في مجتمعي، بل في إقليمي الذي أحيا فيه، تُرى كيف نجعل من هذا النموذج أنموذجًا؟!

كلما ضاقتْ عليك الحياةُ تمسَّك بحبل الله ولا تُفلته مهما علَت الأمواج.

كل يوم تأتيك الشمس تُبشِّرك بفجر جديد، فاحتسِب يومك عند الله، ولا تتركه هكذا يمر هباءً منثورًا.

كونكِ أمًّا يعني الكثير لك ولبيتك، ضيافتُك للناس عنوانُك، حبُّ العطاء لا يُشترى، عاداتك الصغيرة في بيتك هي ما تصنَع الذكريات، وهي ما تجعل للبيت روتينًا حُرًّا يسير عليه الآباء والأبناء، اهتمامك بإفطارهم وواجباتهم يَظهَر على ملامح وجوههم، يُعطيهم السكينة، ويعطيهم شعورَ الثقة بأنفسهم وقوة الإبداع وثِقَل المنطق.

والأب بدوره يحافظ على تماسُك أسرته، ويُصلح ما تُفسده رياحُ التغيير القادمة من الخارج، فلا يَنهر ولا يعاتب دومًا، بل يَحتضن ويُصاحب، وأحيانًا يجب أن يكون أرفقَ وألينَ من الأم.

فتبادلُ الأدوار بين الشِّدة واللين يساعد على تقْوِية الروابط في الجانبين، وليس من جانب واحدٍ.

ولا تنسَ أن تكون عونًا لأهل بيتك، فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول، وكلما كان شعورك بالرعاية والمسؤولية كبيرًا، انتقل ذلك الشعور إلى جميع مَن في البيت، حتى صار قانونًا هو الآخر، بل صار يجري في العروق مَجرى الدم.

حرصُك على أداء الصلاة في موعدها، وفي الجامع للصِّبيان من أهم دعائم التربية، فالتزامُ أداء فروض الله هي أشد الالتزام، لا تَهاوُنَ فيها أبدًا، فمثلًا إذا جمعتْك بأبنائك لُعبةٌ من ألعاب الفيديو الشيقة المفيدة، واحتدَمت بينكم المنافسةُ، وأُقيمت الصلاة، فلا تتردَّد أبدًا في ترك اللعب والقيام لأداء الصلاة، مع قولك: لا يُبارك الله في عملٍ يُلهي عن الصلاة، وكذلك أنتِ بصفتكِ أُمًّا إذا كنتِ في المطبخ، فطبِّقي الشيءَ نفسه.

ومن الأشياء التي تُشعر أفراد الأسرة بالمسؤولية، ويجب على الجميع الاشتراكُ فيها – إطعامُ الطعام والإيثار والدعاء للمسلمين، والمباركة لهم عند رؤية ما يَسُرُّ، وإلقاء السلام والشكر، وقول: جزاك الله خيرًا، هذه الأشياء التي نَستشعرها يسيرةً، هي التي تَصنَع القادة وتأتي بالمعجزات في التربية.

وأكثر الأشياء التي نتحدث عنها تبدأ من البيت أولًا، فإن اعتادها الأولاد فلن يَتركوها…

احترامك لولدك من احترامك لنفسك، فلا تَنهره ولا تُهينه – لا أمام الناس ولا أمام نفسه – وتذكَّر حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها: ((إذا أرادَ اللهُ بأهلِ بيْتٍ خيرًا، أدخلَ عليهم الرِّفْقَ)).

إذا أردت أن يستأذنَ في الدخول عليك، فاسْتَئْذِن عليه إن أردتَ الدخول عنده في غُرفته مثلًا، وإن أردتَ أن يُحادثك بأدبٍ، فافعَل أنت الشيء نفسه، وقل له: إذا سمحتَ، من فضلك، شكرًا لك، أُحبك، والأكثر من هذا إذا أردتَ تعويده على تقبيل يدك منذ الصغر، فقبِّل أنت يده عندما تراه في صِغره، وقتما يَنضج قليلًا وتقول له أُمُّه: قبِّل يد والدك، فلن يَستشعرها غريبةً، وخاصة إذا كان يرى الكبار يُقبِّلون يد الجد والجدة.

واعلَم أن لكل إنسان مركزًا يحوم حوله، منَّا مَن مركزه يكون عملَه، ومنَّا مَن يكون سفرَه، ومنَّا من يكون ضحكَه، ووقتَ فراغه، وكل هذا يذهب هباءً، ويملُّ الإنسان منه سريعًا، أما نحن بوصفنا مسلمين، فمركزنا هو الله، نفعل كل شيء إرضاءً له وتصديقًا لوحدانيَّته.

اشغلهم دائمًا بما ينفَعهم، وإلا شُغِلوا بما يضرهم من كثرة الفتن المحيطة بنا.

أبعِد عنهم الهواتف الذكية، وإن كان فمن خلال قيود وضوابطَ، وضعْ مكانها أنشطة مختلفة كالرياضة والمساعدة في العمل للأولاد، والأعمال المنزلية والأشغال للبنات.

ولا تظنَّ أن الأبناء يَكبرون بين يوم وليلة، إنما هي مراحل طويلة، وتعبٍ ونَصَبٍ، لكنك مأجورٌ على التربية وحُسن التنشئة، ومن أهم دعائم التربية:

القدوة فأنت القدوة الأُولى لأبنائك، يمشون على خُطاك ويتَّبعون أثر قدمِك، فانْتَبه لتصرُّفاتك جيدًا، واختَر لهم قدوة حسنةً من الصالحين تُحبِّبهم فيها، ويمشون على خطاها؛ كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (مَن كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفِتْنَةُ).

كن يقظًا على صُحبة أبنائك واختَر لهم الصحبة الصالحة، وكن أنت الصاحب الأولَ لهم، وأكثِر من الدعاء بصلاحهم وبرِّهم وتوفيقهم، واجعَل الدعاء رفيقَهم في دَرْبِهم، ساعِدهم على برِّ آبائهم وصِلة أرحامهم، ولا تَبُثَّ فيهم خلافات الأقارب إن وُجِدَتْ، واتْرُك قلبَهم سليمًا نقيًّا.

اتَّقِ الله حيثما كنتَ، فالتقوى تنفع الذريَّة؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، ومعنى: ﴿ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾؛ أي: تركوا المحرَّمات، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾؛ أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء الله يَحفَظهم ويَكْلَؤُهم، ويَنصُرهم ويؤيِّدهم، ويُظْفِرُهم على أعدائهم ومُخالفيهم.

دُمتُم لله طائعين.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/128651/#ixzz6lWstZ149

يُغنِ الله كلًّا من سَعَته…

أشخاصًا كانوا بالأمس القريب أحبابًا واليوم ما عادوا يختلفون عن أناس مروا بك في الطريق عابرًا، حتي أنك ما عُدت تعرفهم.

أهؤلاء من كانت أكلاتنا وجلساتنا سَوِيًّا، من كانوا حديث الأمس، من كانوا الطيبين الذين كنت تحبهم ولا ترضى لسواهم قريبًا.

ما عدت تعرفهم هل الزمن أم هي الغشاوة كانت على أعيننا من البداية.

أم أننا أخذنا نصيبنا من الصحبة ولم انتهت فقط تفرقنا.

قلوبنا ما عادت تتآلف، ما عادت قلوبنا تمشي سَوِيًّا، ما عاد الهواء الذي كان يريحك يريحهم.

ظهر الاختلاف سريعًا، كل شيء كان سَوِيًّا ما عاد سَوِيًّا، كل شيء كنت ترتب له ذاب وهَوتْ به الريح في مكان سحيق.

من كان شعوره بالأمس نفس شعورك.

اليوم نظرات حادة وغريبة لم تعد تعرفها ولم تعد تصدق أشخاصًا كانوا بالأمس القريب أحبابًا.

نظرتهم لك اختلفت كل شيء ما عاد كما كان في السابق.

يحسبون عليك كل شيء ويغارون من كل نعمة أنت فيها مغبون، هذه النعم التي كانت بالأمس ما عندك عندهم، هم الآن متغيرون مختلفون.

ولكن إن تحتمت كل الظروف للتفرقة فيغن الله كلًا من سعته، سهل الله لهم أمرهم ولنا أمرنا.

كل واحد يجد طريقًا لنفسه بعيدًا عن الآخر مع بقاء مادام من الود فالقطيعة ليست من إسلامنا ولا مبادئنا، صحيح في كل مرة ستراهم فيها ستشعر بأغرب شعور يمرعليك وتسأل نفس السؤال أهؤلاء من كانوا بالأمس القريب أحبابًا.

ولكن لنتذكر دائمًا أن الود ما بقى لنا حتي وإن ذاب كل شيء حوله.

يبقى الود ما بقيت الروح

فالروح ليس لها أن تغضب إلا لله

لأن النفس البشرية إن تركت لنفسها مجالاً للحزن والعتاب فلن تنتهي

والعتاب يوّلد عتابًا حتي لن يعد لنا مكانًا لقول السلام.

وعلي قدر الفجوة الكبيرة التي تركت هذه الفُرقة،

ابقي للود مكانًا وهيئ له تربة خصبة

ولا تلقي بالسلام في واد سحيق.

الإفلات من العقاب

منذ أن استيقظ حيّان باكرًا والعبوس لم يفارق وجهه فهو يعرف جيدًا ماذا قد ارتكب بالأمس من أخطاء وقد حان وقت تنفيذ العقاب من قبل أمه التي تضايقت منه كثيرًا بالأمس لعدم إنجاز فروضه.

هو بالعادة ولد مطيع ويستمع لكلام أمه جيدًا ولكنه أحيانًا يتقلد من بعض رفقات السوء الذين لا يسمعون كلام والديهم، بالطبع هو لا يصادقهم ولكنه يعرف أخبارهم من رفقاته الذين لا يملوا من الحديث عَن أولاد المدينة.

فقد ألزمته أمه بتلميع جميع أخشاب البيت وهو عمل يعتبره ممل للغاية، نظرًا لكثرة الأثاث الخشبي في المنزل كما أن الأثاث ليس بأملس ولكن النقوش المحفورة عليه دقيقة جدًا وتأخذ وقتًا طويلاً.

بالإضافة إلي أنه قد واعد أصدقائه بأن يأتوا في هذا اليوم ليتسامروا معًا.

يا له من مأزق، ماذا لو أتوا ورأوني علي هذه الحالة؟
ماذا أفعل؟ سأكون حديث المدينة. هكذا قال حيان محدثًا نفسه.

حيّان. يا حيان. (تنادي أمه)
رد حيان قائلاً: نعم يا أمي. ثم قال بصوت خافض آه حان وقت العقاب.

يا حيان خذ هذا الملمع، وقطعة القماش هذه وخذ واحدة أخري أيضًا، واذهب وأدي عملك.

حاضر يا أمي أمرك.
ثم همس قائلاً: يجب علي أن أنفذ حتي لا أعاقب من جديد.

أخذ حيّان معدات التنظيف وذهب لغرفة الجلوس ليبدأ بها عمله فهي أكثر غرفة مليئة بالعمل.

قال مبتدئًا عمله : بِسْم الله.

ثم قال: يا رب أعني علي الخروج من هذا المأزق. ماذا أفعل لو أتوا ورأوني هكذا؟ أتمني ألا يأتوا.

وبدأ بالتلميع، جاءت والدته وقالت له : أحسن عملك يا حيّان فالله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، كما أنني لن أقبل بعمل غير متقن.

ولا تجعلني أتضايق منك أكثر من ذلك.
فجأة دق جرس الباب، قامت والدته لتري من بالباب، وقد تغير لون حيّان وتمني ألا يكونوا أصدقائه.

وحدث ما كان يخاف منه؛ لقد أتوا.

سألوا والدته: أين حيّان يا خالة؟

قالت: في غرفة الجلوس؛ تفضلوا.

عندما دخل أصدقائه تظاهر حيّان وكأنه لا يدري، منهمك جدًا في عمله ولا يبالي بالأصوات خلفه.

نادوا عليه مرارًا وتظاهر هو كأنه لم يسمع، تسامر الأصدقاء عليه قليلًا وسخروا منه ولكنه لم يصدر صوتًا، منهمكٌ جدًا في عمله، ولا يدري بمن حوله.

فجأة! استدار وتظاهر بالمفاجأة وقال: أصدقائي! منذ متي وأنتم هنا؟ لم أدر بكم مطلقًا فقد كنت مشغولاً في عملي.

قالوا له: هل هذا عقاب!
قال ساخرا: عقااااب! بالطبع لا؛ هذا عملٌ لا ينجزه إلا المحترفون … الدقيقون جدًا.

وأنا أصلح لهذه المهمة لا أدري إن كانت لديكم القدرة علي إنجازها أم لا ، فهي للدقيقون فقط.

وعاد لعمله منسجمًا جدا وكأنه يفعل شيئًا يحبه وينتظره منذ زمن طويل، يلمع ثم يتوقف ليري دقة عمله، ويمدح عمله قائلاً: ممم جميل، وهكذا.

قال أحد الأصدقاء: دعني أجرب يا حيّان.

قال: لا لا؛ لا تستطيع كما قلت لك هذا العمل لا يقدر أي شخص علي تنفيذه، كما أن هذا الملمع سائل عجيب لا يستخدمه إلا المحترفون.

قال له صديقه: دعني أجرب من فضلك.

لوّح حيان برأسه بعدم الموافقة.

 قال له صديقه: لما لا تدعني، فقط دعني أجرب حظي.
أرجوك.

قال: حسنًا، ولكن كن حذرا.

ثم قال له صديق آخر: وأنا أيضا من فضلك يا حيّان دعني أجرب واستخدم هذا المُلمّع العجيب.

وآخر وآخر، وعلي مضض (متظاهرًا طبعًا) وافق حيّان وقسم بينهم العمل وجلس هو علي الأريكة يرتاح وهو في قمة السعادة حتي انتهي العمل .

قال لهم: يا أصدقائي لقد أثبتم أنكم دقيقون للغاية، وأنجزتم العمل بمهارة وإتقان، وسأكفائكم ببعض الكعك اللذيذ، كم أنتم ماهرون، أنا لست نادمًا أبدًا علي تكليفكم بهذه المهمة .

وظل يخطب فيهم وكأنه قادوا حربًا وانتصروا فيها .

كل هذا الموقف راقبته أمه.
في البداية .. ضحكت من ذكاء ولدها، ولكنها غضبت منه لأنه تحايل علي العقاب الذي ألزمته به، وكذب على أصدقائه ولكنها قررت ألا تُحرجه في وسط أصدقائه حتي لا تجرح مشاعره.

وبعد انصرافهم، نادت عليه وأخبرته عن علمها بحيلته وأنها سوف تحكي لوالده عندما يأتي كل ما حدث.

تضايق حيان وقال: آه لم ننتهي بعد؛ سأعاقب من جديد.

عندما عاد الأب من العمل سردت له أم حيان ما حدث.

قال لها: حسنًا اتركي لي الأمر ولا تقلقي.

وبعد صلاة العشاء نادي الأب علي أبنائه كعادته، أتوا جميعًا وعلي رأسهم أكبرهم ولده حيّان وقد امتلأ وجهه خجلاً من والده، واصطفوا في حلقة حول الأب وانضمت إليهم والدتهم فيما بعد.
جلسوا في هدوء وقد أغلقت أنوار البيت القوية، وفتحت النوافذ وأشعلت الإضاءة الخافتة وقد كان الجو مريح للغاية .

قال الأب: والآن كما تعودنا يا أبنائي سأقص عليكم قصة جديدة نتعلم منها شيئًا يعيننا على طاعة الله عز وجل.

نحن اليوم على موعد مع قصة الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة.

كان الأنصار يعاملونه على حداثة سنه كزعيم…

وكانوا يقولون:“ لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا”.
ذلك أنه كان أجرد، ولم يكن ينقصه من صفات الزعامة في عرف قومه سوى اللحية التي كان الرجال يتوّجون بها وجوههم.

هو من أجود بيوت العرب وأعرقها.. البيت الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام:
“إن الجود شيمة أهل هذا البيت”.
وإنه الداهية الذي يتفجر حيلة، ومهارة، وذكاء، والذي قال عن نفسه وهو صادق:
“ لولا الإسلام، لمكرت مكرًا لا تطيقه العرب”..!!

ذلك أنه حادّ الذكاء، واسع الحيلة، متوقّد الذهن.
إن هذا الأنصاري الخزرجي من بيت زعامة عظيم، ورث المكارم كابرًا عن كابر.. فهو ابن سعد بن عبادة، زعيم الخزرج…

وحين كان قيس قبل الاسلام يعامل الناس بذكائه كانوا لا يحتملون منه ومضة ذهن، ولم يكن في المدينة وما حولها إلا من يحسب لدهائه ألف حساب.. فلما أسلم، علّمه الإسلام أن يعامل الناس بإخلاصه، لا بدهائه، ولقد كان ابنًا بارّا للإسلام، ومن ثمّ نحّى دهاءه جانبًا، ولم يعد ينسج به مناوراته القاضية.. وصار كلما واجه موقفًا صعبًا، يأخذه الحنين إلى دهائه المُقيّد، فيقول عبارته المأثورة:

“ لولا الإسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب”…!!
وفي معارك صفّين، والجمل، ونهروان، كان قيس أحد أبطالها المستبسلين، وكان يحمل لواء الأنصار.
ولقد ولاه الإمام عليّ حكم مصر..

وفي المدينة المنوّرة، عام تسع وخمسين، مات الداهية الذي روّض الإسلام دهاءه..

مات الرجل الذي كان يقول:

لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

“ المكر والخديعة في النار، لكنت من أمكر هذه الأمة”..

مات تاركا وراءه عبير رجل أمين على كل ما للإسلام عنده من ذمّة، وعهد وميثاق…

وعندما أنهى الأب سرد القصة نظر لحيّان وقد فهم حيّان نظرة أبيه وقد أخذ حيّان عهد على نفسه ألا يستخدم ذكائه في مكر أو خديعة، وألا يتحايل على كلام أمه مجددًا.

⭐️والآن يا أصدقائي وقد انتهت القصة يجب علينا نحن أيضًا أن نتعلم أن المكر والخديعة ليست من صفات الفتى المسلم بل يجب عليه أن يستخدم ذكائه في شيء مفيد ولا تنسوا أيضًا إتقان العمل لأنه من أخلاق الإسلام وهو عملٌ يحبه الله ورسوله.

غَزَل والأرْنَب لولو

غَزَل فتاة تحب القراءة كثيرًا وفي كل مرة تختلي بنفسها في غرفتها أو في زاوية هادئة بالبيت تأخذ كتابها وتبدأ بالقراءة. ولا تنسي في كل مرة أن تُحضر دميتها الأرنب لولو إلى جوارها ليستمع إلي ما تقرأ.

الأرنب لولو كان يستمع لقصص غزل باستمتاع شديد ويتمنى ألا تتوقف عن القراءة ولكنه لا يستطيع أن يخبرها بذلك فالإنسان أبدًا لا يفهم لغة الدمى.

عندما تنتهي غزل من القراءة أو تقوم لتلبي نداء أمها وتترك الكتاب يقوم لولو علي الفور بدوره فيجمع أصدقائه من الدمى الأخري في الغرفة ويعيد عليهم ما سمع من غزل؛ يا له من أرنب ذكي.

أمّا الدمى فقد كانت تُعجب كثيرًا بما تسمعه من لولو، وتطلب منه المزيد ويَعدِهم هو بباقي القصة عندما تقصها غزل عليه.

وذات مرة كانت غزل تقرأ كتاب قصص الحيوان في القرآن للأطفال حتى وصلت لقصة النملة التي قابلها سيدنا سليمان -عليه السلام- ثم شعرت بدوار في رأسها فوضعت الكتاب علي المنضدة واستلقت لترتاح قليلاً.

 انتبهت غزل علي صوت جرس الهاتف فنهضت مسرعةً لتخبر أمها بأمره، فقد كانت أم غَزَل تعد الطعام في المطبخ ولم تسمع صوته، بعدما أجابت علي الهاتف وانتهت من المكالمة، سألتها غزل؛ هل هناك من أخبار يا أمي؟ قَالَت: نعم؛ سنذهب إلى بيت عمتك غدًا صباحًا إن شاء الله. فقد طلبت مساعدتي في شيء ما ولا ينبغي أن أتأخر عليها فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه،

قالت غزل: صدقت يا أمي، والآن هل تريديني في شَيْء ما.

قالت الأم: لا؛ ولكن لا تنسى أن تعدى حقيبتك وتنامي باكرًا.

ذهبت غزل لغرفتها وأعدت حقيبتها،ولَم تنس بالطبع كتابها؛ لتقرأ فيه أثناء رحلتها، ولكنها لم تأخذ دميتها الأرنب لولو.

لولو شعر بالضيق لذلك، فغزل ستكمل قراءة القصة في الطريق وحدها وبالطبع لن يستمع إليها، وبالتالي لن يستطيع أن يقصها علي أصدقائه الدمي.

ظل طوال الليل ينظر لحقيبة السفر التي أعدتها غَزَل لنفسها ويفكر كيف يتمكن من السفر معها،حتي قرر أن يقفز فوق الحقيبة ويجلس عليها وقال محدثًا نفسه ربما تكون غَزَل نسيتني وتتذكرني عندما تراني.

استيقظت غزل فجرًا ومسحت علي وجهها بيدها وقالت “الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور”، وقامت فرتبت سريرها وذهبت فتوضأت وأدت صلاتها وقرأت وردها من القرآن والأذكار ثم حان وقت الذهاب.

علي الفور ارتدت ملابسها، ولاحظت وجود لولو فوق حقيبتها فقالت: ما الذي جاء بك إلي هنا يا لولو؟ وأعادته إلي صندوق الدمي.

حزن لولو كثيرًا وشعر بالضيق لكنه لم ييأس واستغل عدم وجود غزل في الغرفة لبعض الوقت وذهب سريعًا وقفز فوق الحقيبة مجددًا.

عندما حان وقت الرحيل ذهبت غزل لتأخذ حقيبتها، وجدت لولو فوق الحقيبة، تعجبت وقالت: يا له من أمر غريب. ما الذي جاء به إلي هنا مرة أخري؟ وأعادته إلي الصندوق مرة أخري وأخذت الحقيبة وذهبت.

حزن لولو كثيرًا وركض خلف غَزَل حتي يلحق بها لكنه لم يستطع وتوقف عند باب الغرفة وجلس عندها وحيدا باكيًا. 

 بعدما نزلت غزل قامت أمها بتأمين البيت فتممت علي إنبوب الغاز والماء وأغلقتهم بإحكام، وأغلقت النوافذ والأبواب وأثناء غلقها لباب غرفة غزل وجدت لولو علي باب الغرفة وحيدًا ظنت أنه قد وقع من غَزَل فأحضرته معها، فرح لولو كثيرًا وتهلل وجهه وشكر الله تعالي.

ركبت أم غَزَل السيارة ومعها لولو في يدها ونسيت أن تعطيه لغزل فقد كانت غَزَل تجلس في المقعد الخلفي تربط حزام الأمان وتستعد للقراءة فهي شغوفة جدًا لإكمال القصة، أما لولو فقد كان يتمني ألا تراه غَزَل في بداية الطريق حتي لا تعيده للمنزل وفي ذات الوقت كان يود الرجوع إليّ الوراء ليجلس بجوارها ليستمع للقصة.

بعدما ساروا في الطريق قليلاً تذكرت أم غَزَل أمر لولو وقالت: غَزَل لقد أحضرت لولو يبدو لي أنك قد نسيته في الأعلي، قالت غَزَل ياه يا أمي لماذا أحضرتي لولو؟ أنا لم أنساه أنا فقط  خفت عليه من الطريق لذا لم أرده أن يذهب معي ولكن لا بأس. شكرًا لك يا اأمي.

قال لولو في نفسه: آه لقد مرت بسلام.

 فتحت غَزَل الكتاب عند الصفحة التي توقفت عندها أمس وقصت علي لولو قصة نملة سيدنا سليمان عليه السلام.

 وأخيرًا عرف لولو أمر النملة وكيف كانت ذكية جدًا عندما صاحت في النمل لتحذرتهم وتدخلهم الجحر حتي لا يسحقهم سيدنا سليمان وجنوده عندما مر بجيشه علي وادي النمل، وكيف سمعها سيدنا سليمان وقد أفهمه الله تعالي  كلامها فقد رزقه الله تعالي ملكة فهم لغة الطير والحيوان؟

وقد حمد سيدنا سليمان الله تعالي علي هذه النعمة العظيمة التي لم يرزق بها أحد غيره.

وتخيل لولو لو أن غَزَل كانت تفهم لغته هو وأصدقائه الدمي، وضحك بصوت خافت وقال يا له من أمر عجيب فعلاً.

 وقال لولو: يا لها من قصة جميلة وعجيبة، عندما أعود سأقصها علي أصدقائي فسيفرحوا بها كثيرًا.

⭐️ولا تنس أنت أيضًا يا صديقي أن تقص ما سمعته علي أمك أو إخوتك فهذا يثبت عندك مَلكة الحفظ كما أنه يعلمهم شيئا جديدًا.